أبي منصور الماتريدي
140
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بالتكاليف بمشقة ملاحظ دنيوي إذ إن العبادة عناء وتعب ، وقطع للنفس عن شهواتها فوجب أن يكون الغرض عائدا عليه في الآخرة ، وحينئذ يقال : إما أن يكون هذا الغرض هو التعذيب على قيامه بالتكاليف وأن ذلك ظلم قبيح جدّا ، لا يليق أن يتصف به الله ؛ فوجب أن يكون الغرض هو النفع أو بعبارة أخرى هو الثواب وهو المطلوب . وأما العذاب فقالوا فيه : إن مرتكب الكبيرة إذا ما مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه ، بل يجب عقابه ؛ لأن الله أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به ، فلو لم يعاقب على الكبيرة وعفا لزم الخلف في وعيده ، والكذب في خبره ، وهو محال . وأيضا إذا علم مرتكب الكبيرة أنه لا يعاقب على ذنبه لم ينزجر عن الذنب ، بل يكون ذلك تقريرا له على ذنبه ، وإغراء للغير عليه ، وأن ذلك قبيح مناف لمقصود الدعوة إلى الطاعات وترك المنهيات . وإذن فالثواب على الطاعات ، والعقاب على المعاصي واجب لا يمكن أن يتخلف ، وعقاب مرتكب الكبيرة هو الخلود في النار » . والحق أن هذا الأصل من أصول المعتزلة يخالف ما عليه جمهور المسلمين من أن الله تعالى لا يجب عليه شيء من عقاب العاصي أو إثابة الطائع ، وإن كان الحق لا يسوي بينهما فيثيب الطائع تفضلا منه ورحمة مصداقا لقول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة » « 1 » . أما العاصي فيعاقبه الله بعدله ، وإن شاء عفا عنه برحمته ، ولا نوجب شيئا على ربنا سبحانه له الأمر والمشيئة . إن تحقيق الوعيد يرجع إلى قدرة الله على العاصين والمذنبين فهم في قبضته واقعون تحت قهر قدرته ، والعفو عنهم لا يلحق بالله نقصا أو قبحا ؛ لأنه يعفو - إذا عفا - عن قدرة ، والعفو عند المقدرة هو أسمى درجات العفو . ثم إن قول المعتزلة بإيجاب الوعيد يعد حجرا على إرادة الله تعالى ومشيئته ، وتقييدا لرحمته « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 11 / 300 ) كتاب الرقاق باب القصد والمداومة ( 6463 ) ، ومسلم ( 4 / 2169 ) كتاب صفات المنافقين باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ( 75 / 2816 ) عن أبي هريرة واللفظ لمسلم . ( 2 ) د / عبد المقصود عبد الغني ، دراسات في علم الكلام ( ص 94 ) .